مدينة يافا المحتلة

يافا تلك المدينة الفلسطينية العريقة التي تبدو لمن يعرفها كواحة أفلتت من الجنة ، حيث توفرت فيها ومنذ القدم مقومات قيام المدن المزدهرة ، وأسهمت العوامل الطبيعية والاقتصادية والإستراتيجية من موقع متميز يشرف على طرق المواصلات والتجارة ، ومرفأ طبيعي في حضن المتوسط، وتربة خصبة ومناخ معتدل في إقامة مدينة منيعة وجميلة حافظت على وجودها نحو 5000 عام رغم تعرضها للعديد من النكبات والويلات عبر العصور .

وقد احتفظت المدينة باسمها العتيق منذ العصر البرونزي حيث أسسها الكنعانيون باسم يافا ( Yaffa ) والتي تعني الجميلة أو المنظر الجميل منذ 3000 عام ق.م على ربوة ترتفع 116 قدم عن سطح البحر ، و يحدها البحر من الغرب وتشرف على السهول الخصبة والمروج الخضراء من كل جانب فتبدو رائعة المنظر تخلب الألباب، لها ميناء مكشوف مما يضطر السفن لترسو على بعد ميل من الساحل الذي يتخلله صخور سوداء كبيرة أثارت بجمالها خيال الأدباء اليونان فنسجوا حولها أسطورة (أندروميدا ذلك أن إله البحر اغتاظ من تبجح الأميرة الحبشية بجمالها المفرط فأمر أن تقيد أندروميدا بالسلاسل في واحدة من أكبر صخور الميناء وأرسل لها تنيناً ليلتهمها، ولكن برسيوس حبيبها تصدى له وتمكن من قتله وهدأ من غضب إله البحر بأن قدم له رأس وحش كان يخيف الناس، وهكذا أفلت بحبيبته الجميلة).

هكذا بنيت المدينة فوق الهضبة الخضراء وتتوغل في مياه البحر كالرأس الكبير المرتفع، ولما كانت أعلى نقطة في الهضبة تقع في مكان متوسط منها فقد توفرت لها واجهتان شمالية وجنوبية تشرفان على البحر بشكل جميل.

وقد شاب اسم مدينة يافا بعض التحريف في عهد الفراعنة من قدماء المصريين الذين أطلقوا عليها اسم( يابو) باللغة الهيروغليفية وذلك في منتصف الألف الثاني ق.م وكما ورد بعد ذلك في بردية أنستازي الأول في القرن ال 13 ق.م حيث أشارت هذه البردية إلى جمال مدينة يافا الفتان من خلال وصف شاعري يلفت الأنظار.

وقد عرفها اليونان أصحاب الحضارة الهيلنستية باسم ( يوبا )حيث ورد في الأساطير اليونانية القديمة أن التسمية مشتقة من (يوبي) هي بنت إله الريح عند شعوب الرومان، كما ورد اسم يافا في بردية زينون موظف الخزانة 258 ق.م عهد الحاكم بطليموس الثاني، وذكرت ايضاً في كتاب المؤرخ اليوناني الذي زار المدينة في الفترة 259 وفي التوراة ما يعرف بمدينة (يافو) .

وتعرف المدينة الحديثة باسم يافا كما جاء في كتب التاريخ والجغرافيا في العصور العربية والإسلامية وبقيت كذلك حتى نكبة 1948م تحتفظ باسمها ومدلولها (يافا عروس فلسطين الجميلة) حيث تكثر بها وحولها الحدائق، وتحيط بها الأشجار المثمرة وخصوصاً الحمضيات من البرتقال اليافاوي والشموطي ذي الشهرة العالية والذي كان يصدر إلى الخارج منذ القرن التاسع للميلاد.

العوامل التي ساعدت على قيام وبقاء مدينة يافا الساحلية ,,,,,,,,,,,

أولاً …….

موقع ومناخ مدينة يافا ,,,,

تقع المدينة عند التقاء خط عرض 323ْ شمالاً وطول 3417ْ شرقاً ، حيث تحتل المدينة موقعاً طبيعياً متميزاً على الساحل الفلسطيني فهي تقع على تل مرتفع وسط منطقة سهلية وتشرف من الغرب على البحر بشكل كامل ومن الشرق على السهل الساحلي الخصب الذي سماه الكنعانيون سهل سارونا والتي تعني الخصوبة والنماء وهو سهل رسوبي يسير من الجنوب إلى الشمال في خط مستقيم والذي تكون نتيجة تراكم الرواسب التي حملتها الأمواج والرياح من مصب نهر النيل وصولاً إلى الساحل الفلسطيني منذ عصر البليوستوسين في الزمن الجيولوجي الرابع ويتميز هذا السهل باتساعه عند شرق مدينة يافا إذ يبلغ نحو 21 كم بعد أن كان شديد الضيق شمالي المدينة مما وفر إمكانات قيام زراعة محدودة منذ العصور القديمة .

ومن جهة أخرى فقد حظيت المدينة بمناخ البحر المتوسط ذي الحرارة المعتدلة نسبياً حيث يندر فيها موجات الصقيع أو سقوط الثلوج الأمر الذي ساعد أشجار الحمضيات على النمو وبكثافة في تلك المنطقة، وتهطل الأمطار في يافا بين شهري تشرين أول (اكتوبر) ونيسان (ابريل) ويتجاوز متوسط كميتها السنوية 550 مم ، وتتوافر مصادر المياه العذبة في ينبوعين رئيسيين بالقرب من السور الشمالي للمدينة إلى جانب توفر مياه الأمطار وإمكانية الحصول على المياه العذبة في المناطق القريبة من الساحل بواسطة الآبار الارتوازية على مسافات قريبة من سطح الأرض، وقد عثر في المدينة على أماكن محفورة في الصخور لحفظ المياه .


ثانيـــــــاً ……

الموقع الاستراتيجي والاقتصادي لمدينة يافا,,,,,,,

اكتسبت مدينة يافا مكانة اقتصادية واستراتيجية هامة على مر التاريخ فقد لعب ميناء المدينة دوراً هاماً ورئيسياً في حركة التجارة البحرية لفلسطين إذ تميز هذا المرفأ بسلسلة من الصخور الكبيرة المتراصة بشكل مواز للهضبة التي تقع عليها المدينة التي يتعدى امتدادها جنوباً هذه الصخور، أما من الجهة الشمالية فيمتد ساحل المدينة بشكل خليج تحميه الهضبة نفسها مما يساعد على إقامة مرفأ طبيعي يحجب الأمواج والعواصف عن الميناء وكأنه ميناء حديث أحكم الإنسان إغلاقه، ولهذا استطاع مرفأ يافا استقبال السفن منذ أقدم العصور ليصبح المدخل البحري الأول والرئيس لفلسطين، فقد أسهم في الرخاء الاقتصادي للمدينة فضلاً عن كونه حاجزاً طبيعياً ضد الغزوات البحرية وذلك بسبب ضيق مدخل المرفأ المحمي بالصخور والذي يحول دون دخول عدد كبير من السفن الغازية دفعة واحدة، ومن جهة أخرى تشرف المدينة على السهل الساحلي حيث تبدو من الجهة الجنوبية شديدة الانحدار بما يشكل حاجزاً طبيعياً جديداً له مزاياه الإستراتيجية التي تحول دون مهاجمتها، كما أن إحاطة المدينة بالأسوار جعلها تبدو وكأنها حصناً منيعاً في مواجهة الغزاة مما ساعد على توفير الحماية للمدينة وكان دافعاً لبقائها واستمرارها رغم تعرضها للعديد من النكبات على مر العصور .

وقد هيأ الموقع الإستراتيجي لمدينة يافا الفرصة لتشرف على طرق المواصلات والتجارة البرية عبر الأراضيالفلسطينية والأقطار المجاورة من الشمال إلى الجنوب ومن الشرق إلى الغرب وبالعكس فأصبحت همزة الوصل من مصر إلى بلاد الشام وفينيقيا، ومن بلاد بحر إيجة إلى الشام ومصر والأقاليم الداخلية مما وفر لها أسباب الرخاء والازدهار حقباً طويلة من الزمن.

ومن جهة أخرى فقد كان لأهمية المدينة الاقتصادية والإستراتيجية أثر هام في تعرضها للعديد من الغزوات والمحن حيث تعرضت للدمار والخراب عدة مرات لتبدأ دورة العمران فيها من جديد سواء في بنائها الاقتصادي أو من خلال إعادة بناء مبانيها وأسوارها من جديد وقد يصل التعمير فيها إلى مستواه السابق أو قد يبقى دونه فنرى يافا عبر التاريخ الفلسطيني أما مجرد بلدة جميلة متواضعة أو مدينة قوية ذات نظام متميز على هذا التل العتيد .

ثالثـــــاً ……….

التطور العمراني لمدينة يافا ,,,,,,,,

بدأت مدينة يافا كبلدة صغيرة على تل واسع في حضن المتوسط فلم تتجاوز مساحتها أكثر من 200 دونم من الأرض وكان سكانها القدماء قليلو العدد يعيشون في بيوت صغيرة من الخشب والطوب اللبن وقد أحيطت بسور من الأحجار الكبيرة المنتشرة على جانبي التل وفي مواجهة البحر، وقد اعتمد سكانها الأوائل على نبعين من الماء يقعان شمال المدينة وكان النظام الاقتصادي السائد آنذاك هو الزراعة حيث التربة الخصبة يفلحها الناس ويعيشون من خيرها، وتدريجياً تطورت البلدة فاتسعت مساحتها وزاد تعداد سكانها.

فقد أسسها الكنعانيون على 4 أمتار بما يتضمن ذلك من بناء – غرار بقية مدن فلسطين حيث ارتفع سورها لعشرة أمتار وبعرض يصل إلى 3 – 4 أمتار يما يتضمن ذلك من بناء الأبراج المنيعة ولتأمين حاجة السكان من مصادر المياه أدخل نبعي الماء ضمن حدود المدينة القديمة في يافا، وقد بقيت المدينة محافظة على طابعها العمراني مدة طويلة من الزمن إلى أن دخلت ضمن المدن التي فتحها فرعون مصر تحتمس الثالث1501 -1447 ق.م كما جاء في البرديات القديمة المعروفة برسائل تل العمارنة حيث تم فتح المدينة بخدعة أقدم عليها القائد الفرعوني (تحوتي)، وبعدها وقعت المدينة كحال كل المدن الفلسطينية تحت حكم الأشوريين والبابليين والفرس وصولاً لعهد الإسكندر الأكبر 332 ق.م حيث شهدت يافا رخاءاً وازدهاراً ملحوظاً ترك آثاره على عمرانالمدينة وبنيتها التحتية خصوصاً مع تطور علاقاتها التجارية داخلياً وخارجياً في ذلك الوقت، أما في العصر الروماني فتشير الأدلة التاريخية أن المدينة تعرضت للعديد من النكبات والخراب والحرق، إلا أن ذلك لم يمنع بقائها المركز التجاري والميناء الأول لفلسطين وبقيت كذلك حتى الفتح الإسلامي 638 م .

فقد كانت مهبطاً لحجاج بيت المقدس، كما شهدت نهضة عمرانية ورواجاً اقتصادياً كبيراً في عهد الخلفاء الأمويين إلى جانب مدينة الرملة التي كانت بمثابة عاصمة فلسطين في ذلك الزمان.

أما في العصر العباسي فقد ذاع صيت يافا كأهم المرافئ التجارية في حدود دولة الخلافة التي امتدت من حدود الصين شرقاً إلى شواطئ الأطلنطي غرباً، وفي عهد الدولة الطولونية أعيد بناء قلعتها ووصلت الحركة التجارية فيها إلى الذروة، وبقي التطور العمراني في المدينة بعد ذلك بين مد وجزر؛ بل أنها تعرضت بعد ذلك للكثير من الخراب والدمار إبان فترة الحملات الصليبية، ويرجع ذلك في المقام الأول لموقعها الاستراتيجي على السهل الساحلي لفلسطين، فقد تحطمت أسوار المدينة وتحصيناتها بأمر من السلطان صلاح الدين الأيوبي 1190م؛ ليحرم الصليبين من استخدامها عند احتلال المدينة وبقيت محطمة الأسوار حتى العام 1250 م ، عندما قام لويس ملك فرنسا بإعادة بناء الأسوار حول المدينة وحمايتها بالحصون والأبراج والخنادق، وسرعان ما شهدت المدينة دماراً واسعاً طال معظم أسوارها ومبانيها بعد 18 عام من إعادة الإعمار، وذلك عندما غزاها القائد المسلم بيبرس الذي خلصها من الفرنجة الصليبيين لتعود يافا من جديد مدينة عربية إسلامية .

وفي العهد التركي العثماني شهدت مدينة يافا عهداً طويلاً من الركود باستثناء بعض الفترات التي كانت تشهد نمواً عمرانياً من آن لآخر، ومع مطلع القرن التاسع عشر شهدت مدينة يافا نهضة عمرانية واسعة بفضل تركي يدعى/ محمد باشا أبو نبوت فقد أصبحت تضم أكثر من خمسمائة منزل وعدداً من المساجد في الفترة من1810- 1820 م حيث أعيد ترميم أسوارها وتعبيد الطرق الداخلية فيها والطرق الخارجية المؤدية للمدينة وأقيم فيها سوقاً كبيرة وأنشئ سبيلاً للماء على الطريق بين يافا والقدس.

وفي العام 1818 م تم إزالة سور المدينة وردم الخنادق المحيطة بالسور وقد أنشئ مكانه شارع مركزي عرف باسم شارع الحلوة، كما تم بناء رصيف عميق للميناء أمام ما يعرف بدير الأرمن، وفي العام 1893 م ومن خلال امتياز تم منحه لإحدى الشركات الفرنسية تم افتتاح أول خط للسكك الحديدية في فلسطين وهو خط سكة حديد يافا / القدس، وفي 1915 م عهد المتصرف العثماني حسن بك الجابي الدمشقي تم إجراء مشاريع كبرى للبنية التحتية للبلدة القديمة في يافا، حيث أقيمت ميادين وشوارع جديدة كما تم توسعة وتحسين الطريق المؤدية إلى الميناء وصولاً إلى نقطة التقائه بطريق القدس/غزة إلا أن النشاط العمراني توقف بعد ذلك بسبب ظروف الحربين العالميتين الأولى والثانية.

العمران في يافا على أعتاب نكبة فلسطين 1948 م ,,,,,,,,,,,,

ينتشر العمران في مدينة يافا من خلال المباني والبيوت المقامة على التل من الأسفل إلى الأعلى وتتميز المنازل فيها بصغر حجمها واقترابها من بعضها البعض وفي بعض الأحيان تكون متلاصقة إذ لا يفصلها سوى أقواس معمارية جميلة ومعظمها تتكون من طابقين أو ثلاثة، أما شوارع البلدة القديمة فيها فتبدو ضيقة ومرصوفة بالحجارة وفيها مسجد قديم يسمى مسجد البحر وبها أيضاً كنيسة قديمة .

ومن أهم وأبرز أحياء المدينة حي المدفع (الطابية) وحي القلعة وحي النقيب ، ومن أبرز شوارعها شارع السفراء حيث يوجد مقر الحكومة المعروف بـ (السراي) .

وفي العام 1936 م قامت سلطات الانتداب البريطاني بتدمير أجزاء واسعة من المدينة خصوصاً من الجهة الجنوبية والشرقية وذلك بعد أن عجزت عن ملاحقة الثوار من أبناء المدينة ولم يتبقى من الأحياء الجنوبية والشرقية للمدينة سوى جامع البحر وكنيسة القلعة التابعة لدير اللاتين وكذلك دير الأرمن الذي كان يعرف آنذاك بمقر نابليون وبعض المباني القديمة من حارة الطابية .

وقد أزيلت بعض المباني من البلدة القديمة بأمر من سلطات الانتداب 1937- 1938م، واستكملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي إزالة وتدمير جزء أخر من مباني البلدة القديمة في الفترة من 1950- 1954م، ورغم ذلك فلا تزال الكثير من المباني والبيوت الصغيرة القديمة في مدينة يافا قائمة حتى يومنا هذا شاهداً على حضارة وتاريخ هذه المدينة العتيقة .

ورغم وطأة الاستعمار البريطاني في فلسطين قبل النكبة إلا أن مسيرة العمران كانت تسير بخطى سريعة في مدينة يافا وقد ساعد على ذلك تعبيد شبكة من طرق المواصلات تنطلق من قلب المدينة إلى المناطق المجاورة، كما أقيم في المدينة شبكة أخرى لتوزيع الماء والكهرباء مما أدى لانتشار العمران في كل الجهات، وأصبحت مدينة يافا ممتدة عمرانياً وجغرافياً حتى حدود نهر الجريشة (العوجا) شمالاً ، وشرقاً إلى حدود قرية يازور، وجنوباً إلى حدود نهر روبين، أما الواجهة الغربية للمدينة والمطلة على البحر المتوسط فقد امتدت من خلال ساحل يبلغ طوله خمسة كيلومترات وهو ساحل رملي تتناثر فيه الصخور ويمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام :-

– القسم الشمالي من ساحل يافا ،،

ويمتد من شمال المدينة إلى نهر الجريشة وهو ساحل رملي بديع به القليل من الصخور ويعتبر من أجمل الشواطئ في المدينة .

– القسم الأوسط من ساحل يافا ،،

ويمتد من شمال البلدة القديمة إلى جنوبها داخل منطقة السور القديم ويتميز بوجود مجموعة كبيرة من الصخور القديمة التي شكلت مرفأ طبيعياً للمدينة.

– القسم الجنوبي من ساحل يافا ،،

ويمتد من جنوب البلدة القديمة وصولاً لحدود نهر روبين ويشبه القسم الشمالي من ساحل المدينة لحد كبير من حيث الطبيعة الرملية وتكسر الأمواج على شواطئه ولكنه يتميز بارتفاع منطقة الساحل فيه عن سطح البحر بشكل كبير يصل في بعض المناطق إلى 40 متراً ، وفي بعض المناطق تمتد الهضبة في عمق البحر بشكل البرزخ لتحيط المياه بالمساكن من معظم الجهات.

ويلاحظ على طبيعة العمران في مدينة يافا قبل النكبة التمدد الكبير باتجاه الشمال حيث أقيمت عدة أحياء ملاصقة للساحل أهمها حي (إرشيد)، وحي المنشية التحتا والمنشية الفوقا ، أما التمدد جهة الشرق فشمل عدة أحياء مثل حي النزهة ، درويش ، الشيخ شعبان ، الغزازوة ، تل الريش ، أبو كبير ، وقد حد من توسع مدينةيافا نحو الشمال إقامة مدينة أخرى جديدة بعد النكبة باسم تل أبيب أو تل الربيع والتي جاءت بين حي المنشية ونهر الجريشة ، كما توقف التمدد العمراني للمدينة نحو الجنوب بعد إقامة مستعمرة بيت يام بين حي العجمي ونهر روبين ، وبقيت مدرسة نيتر الزراعية من أبرز المعالم العمرانية لمدينة يافا على الطريق بين يافا/القدس .

ويضم قضاء يافا خمسة وعشرين قرية وذلك حسب آخر تنظيم في عهد الانتداب البريطاني وهي …………..

(أبو كشك ، إجليل الشمالية ، إجليل القبلية ، بيار عدس ، بيت دجن ، جريشة ، الجماسين الشرقي ، الجماسين الغربي ، الحرم ، الخيرية ، زنتية ، السافرية ، ساقية ، سلمة ، السوالمة ، الشيخ مونس ، العباسية ، فجة ، كفر عانه ، المر ، المسعودية ، المويلح ، يازور ، سارونا ، ويلهلما).

وقدرت مساحة يافا 1948 م ب 20 كم مربع كما بلغ عدد سكانها نحو 70760 نسمة آنذاك .


يافا عبر العصور التاريخية ,,,,,,,,,,

بدأت المسيرة التاريخية والحضارية لمدينة يافا منذ نحو 5000 عام وهي مستمرة حتى الآن، وتشير الأدلة التاريخية التي تم العثور عليها في ضواحي المدينة أو من خارجها سواء في بقية القرى والمدن الفلسطينية أو في دول وأقطار مجاورة أن لمدينة يافا إرث حضاري عتيق يعود لأزمنة وحضارات مختلفة يبدأ من العصر البرونزي حيث العهد الكنعاني في فلسطين، ويمتد إلى الفتح العربي الإسلامي، إذ تؤكد المصادر التاريخية أنيافا من أقدم المدن التي أسسها الكنعانيون في فلسطين وأن أهميتها في التاريخ ترجع لاعتبارها ميناء غاية في الأهمية ولكونها ملتقى للطرق القديمة عبر السهل الساحلي لفلسطين.

والكنعانيون جماعة سكانية واحدة من أصول عربية هاجرت من الجزيرة العربية واستوطنت ساحل فلسطين ولبنان، فبقيت المجموعة التي استوطنت السهل الساحلي لفلسطين باسم الكنعانيين، أما تلك التي اتجهت نحو الشمال حيث الساحل اللبناني فقد سميت باسم الفينيقيين، وبمرور الزمن استطاع الشعب الفينيقي/الكنعاني أن يقيم حضارته العريقة في فلسطين ولبنان، مستفيداً من موقع المنطقة الجغرافي بين حضارات الشرق الأدنى، وقد تحقق ذلك مع مطلع العصر البرونزي منذ العام 3100 ق.م .

وعلى الرغم من تعرض فلسطين للكثير من المحن والنكبات خصوصاً خلال الألف الأول قبل الميلاد إلا أن الحضارة الكنعانية فيها فرضت نفسها على الغزاة ، وقد بدا ذلك واضحاً من خلال الموروث الثقافي واللغة والعادات والتقاليد والدين، تلك العناصر التي اقتبسها الفلسطينيون (الذين تشكلوا من هجرات كنعانية، إيجية، عبرانية، يونانية، رومانية وعربية ) لينصهروا جميعاً في الإرث الحضاري الكنعاني الذي بقيت آثاره مئات وألآف السنين حتى الفتح العربي الإسلامي في القرن السابع الميلادي.

ويحدد علماء الآثار مخلفات تلك المرحلة في مدينة يافا بعدد كبير من بقايا المنشئات الحجرية مثل الأبراج والأسوار والأعمدة وبعض المعدات والأواني الحجرية والحديدية وبعض شقف الفخار، وكلها تعود إلى العصر البرونزي المبكر والأوسط حيث أسس الكنعانيون أول حضارة إنسانية على أرض فلسطين، و بدت بصمتهم الحضارية واضحة في مناطق مختلفة تم التنقيب فيها بالقرب من منابع نهر يافا، وتل جريشة شمال المدينة، وبلدة جت رامون التي يعود تاريخ نشأتها لأكثر من 5000 عام، وأيضاً في منطقة تل قدادي المعروف باسم (الشونه)، وتل المكمش الواقع إلى الجنوب من قرية الحرم.

وهناك عدد من الحفريات الحديثة والتي جرت في البلدة القديمة من مدينة يافا وبالقرب من ميدان الساعة الشهير في الفترة من 1948-1970م والتي كشفت عن طبقات أثرية تتضمن مخلفات تعود إلى الفتح الإسلامي وتغوص في القدم وصولاً للعصر البرونزي الأوسط في الفترة ما بين 2000- 1500 ق.م وتشمل بقايا معمارية من جدران حجرية وأخرى تبدو كأساس لبنايات من الطين المكسو بالحجر من الخارج كما عثر على عدد من الصوامع والأواني الفخارية.

أما على المستوى العقائدي والديني فتشير الأدلة التاريخية أن سكان يافا القدماء عبدوا الآلهة الكنعانية الفينيقية المشهورة مثل الإله بعل والإله عشتار التي اعتروها راعية للصيد والصيادين والتي كانت مجسدة آنذاك بشكل امرأة نصفها الأسفل على هيئة سمكة يتم التقرب إليها في معبد كبير في منطقة (البصة) الحالية وهي عبارة عن بركة مقدسة تحفظ بها الأسماك.

وعرف أهل يافا الإله داجون الذي يرمز للقمح والخصوبة ويقترن ذلك بوضوح مع اسم القرية اليافية (بيت دجن) ومن بين المخلفات الدينية لمدينة يافا ما تم العثور عليه من مقابر وقرابين مدفونة وبعض عظام الحيوانات وأختام على شكل الجعران، وأيضاً تم العثور على جثة طفل داخل جرة بالقرب من قارورة فخارية مطلية باللون الأحمر ويشير ذلك في مضمونه إلى تطور الفكر الديني عند السكان القدماء من أهل يافا ممن اعتقدوا بشكل من أشكال البعث والحياة الأخرى بعد الموت.

وتشير النصوص التاريخية القديمة أن مدينة يافا كانت مستقرة ومتقدمة حضارياً في تلك المرحلة المبكرة من حياتها وأن سكانها عاشوا في مستوى حضاري يماثل جيرانهم من أصحاب الحضارات العريقة في سورية وبلاد الرافدين ووادي النيل، وتعتبر النصوص المصرية القديمة والمكتوبة باللغة الهيروغليفية والتي تعود إلى منتصف الألف الثاني قبل الميلاد المعروفة برسائل (تل العمارنة) ونصوص اللعن إلى جانب النتائج التي كشفت عنها الحفريات بالمدينة بمثابة أبرز المصادر التي تلقي الضوء على مسيرة يافا الحضارية في الحقبة التاريخية بين 500- 1000 ق.م، ومنها على سبيل المثال (لا الحصر) مخطوط بردية (هاريس) الفرعونية التي عثر عليها في مدينة طيبة (الأقصر) بمصر وهي موجودة الآن بالمتحف البريطاني تحت رقم ( 10060 ) والتي تعود للقائد الفرعوني تحوتي الذي تمكن من فتح مدينة يافا عهد الفرعون المصري تحتمس الثالث قبل 1500 عام ق.م، حيث تحكي المخطوطة كيف تمكن القائد تحوتي من إسقاط مدينة يافا بالخدعة العسكرية بعد حصار طويل، حيث ظفر بقتل ملك يافا من خلال حفلة دعاه إليها، ومن ثم أرسل لزوجة الملك هدية على هيئة 500 صرة جلدية بداخلها 500 مقاتل بكامل أسلحتهم تمكنوا من السيطرة على المدينة بالخدعة العسكرية والتي تشبه إلى حد كبير خدعة حصان طروادة الشهيرة .

وما يهمنا في هذا السياق أن البردية أشارت بوضوح للمستوى الحضاري والعمراني الذي حظيت به مدينة يافامنذ القدم فقد ورد فيها بأن مدينة يافا كانت تتمتع بالأسوار العالية الحصينة، وأنها عاشت ضمن نظام سياسي متميز في القرن الخامس عشر ق.م، وهو النظام الذي كان سائداً في بقية المدن الكنعانية والسورية القديمة والمعروف بـ نظام حكومة المدينة، ويتضح من نص البردية أن حاكم مدينة يافا كان يمثل قمة الهرم السياسي للسلطة في المدينة وأن المدينة بكاملها كانت تخضع لسلطته المركزية التي تتطلب التعاون بين مختلف الفئات والشرائح فيها، ويتضح من البردية أيضاً أن المدينة نشأت حضارياً قبل الغزو المصري لها بقرون طويلة حيث يؤكد العديد من المؤرخين أن قدماء المصريين عرفوا مدينة يافا منذ عهد الأسرة السادسة الفرعونية أي منذ 2400 عام ق.م .

وتشير المخلفات الأثرية عن العصر البرونزي الأخير ما بين 1500-1000 ق.م إلى استمرار المسيرة الحضارية للمدينة، حيث تم العثور على مخلفات حجرية ونحاسية تعود لعصر رمسيس الثاني والثالث أبرز ملوك الفراعنة المصريين، وسرعان ما تعرضت المدينة في القرنين الثاني عشر والحادي عشر قبل الميلاد لغزو ونفوذ يوناني قادم من بحر إيجة، وهي الموجة الغازية المعروفة بعناصر (البلستنا)، التي تم تحريفها فيما بعد لاسم فلسطيـــــــــــن، وهي نفس الفترة التي تعرضت فيها المناطق الشرقية من فلسطين لغزو يهودي/عبراني حيث تمكنوا من السيطرة على بعض المدن والمناطق الجبلية، والجدير بالذكر أن النفوذ المصري بدأ يتأرجح في فلسطين بين القوة والضعف وذلك خلال الألف الأخيرة ق.م ، وهي الفترة التي بدأت فيها مدن فلسطين ومنهم مدينة يافا تستعيد نفوذها وسيادتها، وبذلك احتفظت يافا باستقلالها مع شيء من النفوذ الفرعوني المصري، أو العلاقات الودية مع مصر حتى مطلع الألف الأول قبل الميلاد ، إلى أن بدأ يدب الانقسام والضعف في دويلات المدن الكنعانية حيث بدأت تتهاوى تحت سيطرة ونفوذ الممالك المجاورة .

ومع دخول مدينة يافا للعصر الحديدي 1000- 332 ق.م وقع على عاتق سكانها الكنعانيين مسؤولية النضال وبكل قوة من أجل الحفاظ على كيانهم السياسي والاجتماعي في المدينة أمام الغزو الفلسطيني الإيجي/ اليوناني القادم من البحر والغزو اليهودي/ العبراني القادم من الشرق عبر نهر الأردن، وما يترتب على ذلك من اتساع مجالات الصراع بين الكنعانيين سكان البلاد الأصليين من جهة وبين الإيجيين واليهود من جهة أخرى، ثم الصراع بين الإيجيين من قبائل الفلستن واليهود فيما بعد وسط تعاظم النفوذ الخارجي للأقطار والممالك المجاورة.

وفي مدينة يافا تمكن السكان الكنعانيين من التوصل لصيغة من التعايش المشترك مع العناصر الإيجية الوافدة إليهم من جزر اليونان، وبذلك أصبحت مدينة يافا بمثابة ملتقى للمدنيات في الشرق الأوسط من مصرية وفينيقية وإغريقية تركت آثاراً حضارية واضحة في المدينة ومعتقدات أهلها وفنونهم، ويبدو أن التأثير الكنعاني الحضاري قد أنسى الفلسطينيين الإيجيين لغتهم الأصلية فاستخدموا اللغة الكنعانية وورثوا عاداتها، تقاليدها وديانتها، وبقيت يافا على هذه الحالة حتى ذاب الإيجيون في الحضارة الكنعانية بينما اندثر اليهود في فلسطين مع طغيان الحكم الآشوري .

وبمرور الزمن ضعف النفوذ الآشوري في فلسطين بشكل عام وفي يافا بشكل خاص، الأمر الذي شجع اليهود من بني إسرائيل لمحاولة استرداد مكانتهم فيها، ولكن الغزو البابلي / الكلداني ذهب بمحاولاتهم أدراج الرياح ، وبعدها سقطت يافا وكل المدن الفلسطينية الأخرى في قبضة الفرس في الفترة من 444- 332 ق.م عندما استطاع الاسكندر الأكبر المقدوني غزو فلسطين وبلاد الشام ودحر الفرس منها .

وتشير الأدلة التاريخية إلى أن مدينة يافا حظيت برعاية واهتمام خاص في العصر اليوناني الهلينستي، وقد ترك اليونان آثاراً واضحة المعالم في المدينة بعد أن استوطنت فيها جالية يونانية عملت على تجديد أسوارها وترميم منشآتها وإعادة بنائها وفق الأنماط الحضارية اليونانية وذلك بدمج الآلهة اليونانية القديمة بالآلهة الكنعانية التي كانت موجودة بالمدينة، ومن جهة أخرى عمل الإغريق على إنشاء دار لصك العملة والنقود فييافا حرصاً منهم على ربط المدينة بالاقتصاد اليوناني الإغريقي، وبعد موت الاسكندر الأكبر بقيت مدينة يافا بين مد وجزر بسبب الصراع بين البطالمة والسلوقيين إلى أن تمكن بطليموس الأول من فرض سيطرته على عموم فلسطين في301 ق.م ، واستمر حكمهم فيها حتى العام 198 ق.م لتبدأ بعدها مرحلة الحكم السلوقي ليافا وفلسطين والتي استمرت حتى العام 36 ق.م .

والواقع أن مدينة يافا احتلت مكانة اقتصادية وثقافية مرموقة في العصر الهلينستي حيث اهتم بها كل من البطالمة والسلوقيين وجعلوها إحدى القلاع الهلينستية الرئيسية في شرق المتوسط ، ومع ظهور الديانة المسيحية، وبداية حكم الرومان لفلسطين نشط في مدينة يافا القديس بطرس (من حواريي المسيح عليه السلام) وقد نزل ضيفاً على بيوت أحد سكان مدينة يافا ويدعى سمعان الدباغ، وكانت له حادثة مشهورة عندما أعاد الحياة لفتاة فلسطينية من يافا تدعى طابيثا بعد موتها فآمن به عدد كبير من أهل يافا، ودخلوا في الدين المسيحي (سفر أعمال الرسل /الإصحاح العاشر 9- 16 )، وأصبح بيت سمعان الدباغ في منطقة الطابية في البلدة القديمة بيافا وقبر طابيثا في مدخل يافا الشرقي من أهم المزارات الدينية المسيحية.

فمع سقوط يافا تحت الحكم الروماني / البيزنطي فيما بعد 63 ق.م ، شهدت المدينة موجة من الاضطرابات وتعرضت أكثر من مرة للحرق والتدمير، ويعود ذلك في حقيقة الأمر لنشاط الجالية اليهودية فيها حيث كانت تثير الفتن والقلاقل في وجه الحكام الرومان من آن لآخر وتتحالف مع البعض ضد آخرين.

ومع دخول يافا العصر البيزنطي 324- 636 م أصبحت الميناء الرئيس لفلسطين الذي يستقبل الحجاج المسيحيين إلى بيت المقدس، وأصبحت المدينة فيما بعد مركزاً لأسقفية تابعة لبطريركية القدس وقد ساعد هذا على انتعاش المدينة في العصر البيزنطي/ المسيحي.

أما من الناحية الثقافية للمدينة فكانت اللغة اليونانية فيها تمثل لغة العلم والأدب والتجارة، بينما بقيت اللغة الرومانية هي اللغة الرسمية لإدارة المدينة وأحتفظ أهلها باللغة الآرامية والعربية فيما بينهم .

مدينة يافا والفتح العربي الإسلامي ,,,,,,,,,,

فتحت يافا أمام العرب المسلمين في عهد الخليفة الراشد الثاني / عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وعلى يد القائد المسلم عمرو بن العاص الذي فتحها عام 15 هـ 636 م ، فبعد معركة اليرموك الشهيرة بين العرب والروم عرض أهل المدن من ساحل لبنان وفلسطين على عمرو بن العاص طواعية رغبتهم في الصلح والأمان، ولم تتعرض مدينة يافا أثناء فتحها إلى أي تدمير أو تخريب كما جرت العادة في عصور سابقة، وفي العهد الأموي تمتعت يافا بالاستقرار والتطور، وبرزت شخصية المدينة في المجالات الحضارية والعمرانية والاقتصادية، وتعززت مكانتها مع اعتناق أهلها للدين الإسلامي وتداول اللغة العربية، خصوصاً بعد تعريب الدواوين في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وأثناء حكم الخلافة العباسية والتي استمرت زهاء الخمسة قرون بدأت الأهمية الاقتصادية والتجارية ليافا تظهر بوضوح، كما تأثرت المدينة بنهضة عمرانية واسعة أيام الطولونيين والإخشيديين ومن بعدهم الفاطميين ، وفي العهد الفاطمي تعرضت يافا لنكبة القرامطة الذين حاصروا المدينةبراً وبحراً وأشاعوا فيها الدمار والخراب بعد هزيمة الفاطميين وفي تلك الفترة بدأت المدينة تفقد أهميتها تدريجياً خصوصاً بعدما غزاها الترك السلاجقة واستمر الصراع على المدينة عقوداً طويلة.

ومع بداية الحملة الصليبية الأولى عام 1099م تعرض ميناء ومدينة يافا للحصار والتدمير، ومع دخول الصليبيين للمدينة بدأ العمران والتحسين يعود إليها تدريجياً، وفي العام 1190 شعر السلطان صلاح الدين الأيوبي بقدوم حملات صليبية أخرى تستهدف فلسطين فأمر بهدم وتدمير مدن الساحل (يافا، قيسارية، أرسوف) وغيرها من المواقع الإستراتيجية الهامة فدخلها الملك ريتشارد قلب الأسد فوجدها خربة مهدمة تكاد تخلو من ساكنيها، فشرع بإعادة بنائها وترميم حصونها إلا أن السلطان صلاح الدين أعاد هجومه على المدينة وتمكن من انتزاعها في العام 1192م، ولكن الصليبين لم يستسلموا للهزيمة في هذا الموقع الهام وتمكنوا بمساعدة 50 سفينة حربية من استردادها مرة أخرى لتخضع يافا من جديد لحكم الصليبيين.

ومع نهاية لحملة الصليبية السادسة 1265 م تابع القائد المملوكي الظاهر بيبرس سياسة سلفه السلطان الناصر صلاح الدين في كفاحه ضد الصليبيين فعمل على تطهير بلاد الشام منهم ، وتمكنت قواته من اقتحام قلعة مدينة يافا مارس 1268م، وأمر بعدها ببناء مدينة يافا من جديد، مما شجع على عودة سكانها لتبدأ المدينةباستعادة أهميتها ومكانتها .

وبعد انهيار الحكم المملوكي دخلت فلسطين تحت السلطة العثمانية واستسلمت مدن فلسطين الرئيسية، ومنها مدينة يافا للحكم التركي العثماني دون مقاومة، حيث استمر الحكم العثماني لمدينة يافا وسائر أقطار العرب والمسلمين لنحو أربعة قرون، وقد شهدت مدينة يافا تحت الحكم العثماني أحداثاً جسام نوجزها كما يلي :-

*- في العام 1624 م

عين السلطان اللبناني الأمير اللبناني / فخر الدين المعني الثاني أميراً على بلاد الشام من حلب حتى رفح، وينسب إليه اهتمامه بالعمران في يافا، حيث قام بترميم قلعة المدينة وسورها، كما عمل على تحسين الميناء الخاص بها .

*- في العام 1771 م

خضعت يافا لسيطرة القائد محمد بك أبو الذهب الذي حكم يافا بأمر من والي مصر علي بك الكبير، ولكنالمدينة لم تستسلم بسهولة مما عرض سكانها فيما بعد للتنكيل والمذابح، وفي العام 1775 م جرد أبو الذهب ليافا حملة كبيرة لتخليصها من يد حاكم محلي يدعى ظاهر العمر وقد استبسل سكانها في الدفاع عنها، وكانت النتيجة مجزرة رهيبة وقعت في المدينة راح ضحيتها أكثر من 1200 قتيل وضعت جماجمهم على شكل هرم أمام الغازي محمد بك أبو الذهب .

*- في العام 1799 م

والذي يعد من أسوأ الأعوام في تاريخ مدينة يافا ذلك بعد المقاومة العنيفة الباسلة التي خاضها أهل يافا إبان تصديهم للحملة الفرنسية بقيادة بونابرت على مصر والشام، ومع أول أيام عيد الفطر من العام 1799م قام الجنود الفرنسيين باقتراف مذبحة رهيبة في مدينة يافا راح ضحيتها أكثر من 6000 شخص من الشيوخ والنساء والأطفال، مما أدى لتفشي وباء الطاعون بعد ذلك والذي كان من أبرز الأسباب في اندحار الفرنسيين عن مدينةيافا .

– في العام 1807 م

عين سليمان باشا والي عكا محمد باشا أبو نبوت والياً على مدينة يافا وغزة والذي يعد من أشهر الولاة في تاريخ المدينة، حيث خلف آثاراً معمارية خالدة في المدينة باقية حتى يومنا هذا .

-* في العام 1831م

أصبحت مدينة يافا تحت حكم الأسرة العلوية في مصر والشام، وقد شهدت المدينة في تلك الفترة رواجاً تجارياً كبيراً خصوصاً في تصدير الصابون والحبوب والحمضيات إلى دول أوروبا .

-* في العام 1913م

شهدت المدينة نشاطاً تجارياً متزايداً وبلغت صادراتها ووارداتها مئات الألوف من الجنيهات، أما على المستوى الثقافي فقد بلغ عدد مدارسها 20 مدرسة إضافة لمكتبة جامع يافا الكبير .

النشاط الاقتصادي والثقافي والعمراني في مدينة يافا قبل النكبة ,,,,,,,,,,

أولاً ………..

فيما يخص النشاط الاقتصادي للمدينة ,,,,,,,,,,,

عرفت مدينة يافا الزراعة منذ القدم واحتلت زراعة الحمضيات النصيب الأوفر منها ونظراً لارتفاع العائد من وراء زراعتها تم توسيع الرقعة الزراعية المخصصة لها والعناية بها بإتباع الأساليب الحديثة في فلاحة وري الأراضي، كما توسعت يافا في زراعة الحبوب والفول والزيتون والخضراوات بأنواعها وكذلك أشجار وبساتين الفاكهة حيث اشتهرت يافا ببرتقالها الذي كانت تصدره للخارج منذ القدم، وبلغ مجموع ما تم تصديره من الحمضيات عبر ميناءها 15300 صندوق للعام 1935م .

وقد واكب ذلك نهضة صناعية من خلال اعتماد صناعات وحرف بالمدينة، فعرفت يافا صناعة الزيوت والورق والصناعات المعدنية من سكب وإعادة تصنيع الحديد والمخارط التي تركزت فيها بشارع الدرهلي الشهير وكذلك الصناعات النحاسية التي تركزت في سوق النحاسين بالبلدة القديمة، كما نمت في مدينة يافا صناعة ودبغ الجلود والتي كان مركزها قرب العجمي على شاطئ البحر، وأيضاً صناعة النسيج اليدوي إلى أن أنشئ أول مصنع للنسيج فيها بالقرب من بلدة بيت دجن وقد عرف باسم المصنع الذهبي للغزل والنسيج، وقد عرفتالمدينة صناعات متعددة أخرى وقطعت فيها شوطاً طويلاً مثل صناعة الزجاج، صناعة السجائر، وصناعة الأخشاب التي أتقنها اليافيون وأبدعوا فيها .

وظهرت في المدينة المطاحن الكبرى التي يقع معظمها شمال المدينة على طريق يافا / تل أبيب، وكذلك صناعة مواد البناء مثل الطوب وصناعة الصابون والمواد الغذائية مثل المعكرونة والمربى والحلويات والمياه الغازية، بالإضافة لصناعة المشغولات الذهبية التي تركزت في حي الصاغة بالمدينة.

وقد بلغ عدد الورش والمصانع في يافا فبل نكبة 1948م ما يزيد عن 166 مؤسسة صناعية تركزت معظمها في شارعين أساسيين بالمدينة هما: شارع الدرهلي الممتد من منطقة السكك الحديدية شمالاً وصولاً إلى شارع جمال بك جنوباً حيث تكثر فيه الصناعات الميكانيكية وصيانة السيارات، وشارع يافا / القدس الذي تتجمع فيه العديد من المنشآت الصناعية .

ومع تطور قطاعي الزراعة والصناعة في مدينة يافا تطور النشاط التجاري فيها حيث ظل ميناء المدينة أهم مراكز الملاحة في فلسطين إلى أن شاطره ميناء مدينة حيفا هذه الأهمية بعد إنشائه وكانت أبرز الأنشطة التجارية البحرية للمدينة تتمثل في صيد الأسماك واستخدام السفن الشراعية والتجارية للتنقل داخل وخارج المياه الإقليمية للمدينة، وقبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية تم تطوير ميناء يافا وتوسيع وبناء أرصفة جديدة له حيث بلغت واردات ميناء يافا 7،7 مليون جنيه إسترليني وبلغت صادراته 1،25 مليون جنيه للعام 1934 م، وقد احتلت عوائد الحمضيات النصيب الأكبر من صادرات المدينة، ومن أبرز الأسواق التجارية للمدينة سوق اسكندر عوض – بطرس الممتد ما بين سراي الحكومة وسط البلدة القديمة إلى الطرف الجنوبي منها وقد انتشرت فيه محلات البقالة والحياكة والصيدليات والبنوك، أيضاً اشتهر في المدينة سوق البلابسة الكائن بالقرب من الجامع الكبير ويعد من أقدم أسواق المدينة حيث تنتشر فيه تجارة الأقمشة، كما عرف في يافا أسواق أخرى مثل سوق الصلايحي الخاص ببيع المواد التموينية وسوق الدير المشهور بتجارة الحبوب والغلال وسوق الكرمل للخضراوات وسوق النحاسين الذي يعتبر المركز التجاري الأقدم لمدينة يافا .

وترتب على تطور النشاط التجاري في مدينة يافا قيام المؤسسات المصرفية والبنوك التي كان أشهرها بنك باركليس الإنجليزي والذي كان البنك الرسمي المعتمد لدى سلطات الانتداب، وبنك دي روما الإيطالي، والبنك الألماني وهو أقدم بنك أقيم في مدينة يافا، ومن أبرز البنوك العربية بنك الأمة التابع لمؤسسة أحمد حلمي والأوقاف الإسلامية والبنك العربي التابع لمؤسسة عبد الحميد شومان .

الجدير بالذكر أن الأنشطة النقابية في مدينة يافا كانت تسير بالتوازي مع التطور الاقتصادي للمدينة ومن أبرز النقابات في المدينة مقر نقابة العمال الرئيسي والتي كان لها فروع في المدن الفلسطينية الأخرى.

ثانيـــــــــــــاً ……..

فيما يخص النشاط الثقافي والعمراني في مدينة يافا ,,,,,,,,,,,

كان المجال التعليمي والمجال الصحفي أبرز الأنشطة الثقافية في مدينة يافا فمن الناحية التعليمية انتشرت في المدينة المدارس بأنواعها سواء حكومية أو أهلية، وفي العام الدراسي 1942- 1943م بلغ عدد المدارس في المدينة 49 مدرسة ضمت 10621 طالباً وطالبة و 323 معلماً ومعلمة على النحو التالي :-
تسع مدارس حكومية منها أربعة مدارس ثانوية للبنين هي المدرسة العامرية ، الأيوبية، حسن عرفة، المنشية، وجميعها توفر التعليم حتى الصف الرابع الثانوي وأربعة مدارس للبنات هي مدرسة العجمي ، والعجمي الجديدة ، ومدرسة المنشية ومدرسة الزهراء يتوفر فيها التعليم حتى الصف الأول الثانوي، وهناك 41 مدرسة تتبع مؤسسات وطنية وأجنبية منها 24 مدرسة تتبع مؤسسات إسلامية و 17 مدرسة تتبع مؤسسات دينية مسيحية.

ومن مظاهر النشاط الثقافي في مدينة يافا انتشار المكتبات العامة والخاصة في معظم أحياء المدينة ومنها مكتبة فلسطين العلمية والمكتبة العصرية في شارع بطرس، ومكتبة الطاهر في شارع جمال باشا ومكتبة عبد الرحيم في وسط المدينة كما انتشرت المكتبات في الأندية الرياضية والاجتماعية للمدينة .

أما عن النشاط الصحفي لمدينة يافا فقد كان له تأثيراً كبيراً على سير مجريات الأمور السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها إذ تنوعت المطبوعات بين صحف ومجلات يومية وأسبوعية ونصف شهرية وشهرية بما يؤكد على مدى الوعي الثقافي والسياسي لمدينة يافا، ومن جهة أخرى عملت سلطات الانتداب البريطاني على مصادرة وإغلاق الكثير من الصحف والمجلات التي كانت تعبر عن اتجاهات مناهضة لسياسة الاستعمار في فلسطين، وقد بلغ عدد الصحف والمجلات الصادرة والمطبوعة في مدينة يافا قبل النكبة 35 صحيفة ومجلة، كان أبرزها جريدة النشرة التجارية الصادرة عن الغرفة التجارية لمدينة يافا وجريدة الصراط المستقيم التي اتخذت اتجاهاً إسلامياً، وجريدة الجامعة الإسلامية التي ضمت عدداً كبيراً من الكتاب والمحررين وكان لها مطابعها الخاصة وتصدر يومياً، وجريدة الكفاح الناطقة بلسان حزب شباب فلسطين، وجريدة الدفاع وكانت جريدة سياسية مستقلة، ومن أبرز المجلات كانت مجلة الفجر التي كانت أبرز المجلات الأدبية في فلسطين، ومجلة العهد الجديد ومجلة أنصار الثقافة ومجلة الحياة الرياضية، وغيرها الكثير من الصحف والمجلات التي استمرت في الصدور وتوقفت بعد ذلك قبل أو مع نكبة فلسطين 1948 م .

ومن أبرز مظاهر النشاط الثقافي في مدينة يافا ظهور إذاعة الشرق الأدنى العربية والتي كانت تركز على الآداب والفنون، وقد بقي مقر الإذاعة في يافا حتى العام 1946 م، وانتقلت للبث بعد ذلك من مدينة القدس إلى أن حلت نكبة فلسطين لتنتقل الإذاعة بعد ذلك إلى ليماسول بقبرص، وقد أتاحت هذه الإذاعة الفرصة لنمو بيئة الفن والفنانين في مدينة يافا كما عملت إذاعة الشرق الأدنى على استضافة كبار الأدباء والمفكرين أمثال عباس العقاد، ود. طه حسين، وعلي الجارم وغيرهم من نوابغ الأدب والفن، وكانت يافا في هذه الفترة ملتقى للمشاهير من المطربين الكبار والممثلين الذين زاروا مدينة يافا بدعوة من الإذاعة أمثال محمد عبد الوهاب، والسيدة أم كلثوم، والسيدة ليلى مراد، وفريد الأطرش وغيرهم، وقد زارها من كبار الممثلين يوسف بك وهبي، وفاطمة رشدي، وزكي طليمات وغيرهم، كما زارها مشاهير قراء تلاوة القرآن الكريم مثل الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، ومحمود السنديوني، والشيخ أبو العنين شعيشع .

ومن أبرز الأنشطة التي واكبت النهضة الثقافية لمدينة يافا انتشار الأندية الرياضية والاجتماعية وكذلك الجمعيات الأهلية التي كانت تحرص على عقد المناظرات العلمية والأمسيات الشعرية والندوات والمحاضرات السياسية، ومن أبرز الأندية في مدينة يافا النادي العربي الثقافي، ونادي الشبيبة الإسلامي، وجمعية الإخوان المسلمون، ونادي الكشافة المتجول، والنادي الأرثوذكسي، كما انتشر في المدينة عدد من الفنادق الحديثة والتي ظلت قائمة حتى 1948 م، مثل فندق كليف هوتيل بحي العجمي، وفندق رمسيس في شارعيافا / القدس وغيرهم وأيضاً انتشر في المدينة عدد من المقاهي والمسارح والمنتزهات ودور السينما الكبيرة مثل سينما الحمرا، والشرق، وأبولو .

أما عن مستوى الخدمات والبنية التحتية للعمران في مدينة يافا فقد كانت الأنشطة تدار من خلال مجلس بلدية مدينة يافا حيث تتوفر خدمات الكهرباء والماء في معظم أنحاء المدينة، حيث تشرف البلدية على مصادر المياه في المدينة وتعمل على ضمان توصيلها من خلال شبكة خاصة للمياه تتم تغذيتها من الآبار الارتوازية والأمطار ونهر الجريشة الواقع شمال المدينة، حيث يتم تجميع المياه العذبة في منطقة الملك فيصل بحي النزهة، ثم في حي الحلوة بمنطقة العجمي ثم في المدينة القديمة ومنطقة السوق، وفيما يخص تزويد المدينة بخدمات الكهرباء والإنارة فقد نسقت البلدية لذلك من خلال شركة نوتنبرغ الواقعة إلى الشمال من مدينة بجوار تل الربيع (تل ابيب حالياً).

وبخصوص حركة السير والمواصلات في مدينة يافا فقد تمتعت المدينة بشبكة ممتازة من الطرق الداخلية والخارجية حيث ترتبط أحياؤها بشبكة

من الطرق الداخلية المعبدة، وأيضاً ترتبط المدينة ببقية مدن فلسطين بشبكة أخرى من الطرق الخارجية .

ففي الداخل حظيت المدينة بشركتين للنقل العام (الباصات) حيث يتم نقل الركاب داخل المدينة بواسطة الحافلات بالإضافة لشركتين لسيارات الأجرة (التاكسي) .

أما شركات النقل الخارجي فكانت خمسة شركات للنقل العام (باصات) تنقل الركاب إلى المدن والأقطار المجاورة، وهناك شركتين للتاكسي تعمل في نفس الإطار بالإضافة لمحطات السكك الحديدية والتي يتفرع منها خطان رئيسيان أحدهما يصل إلى مدينة طرابلس شمال لبنان، والآخر يتجه جنوباً حتى الحدود المصرية .

مدينة يافا معالم ، وأعلام ,,,,,,,,,,,,,

ضمت مدينة يافا بماضيها العريق الكثير من المعالم التاريخية الهامة التي تشير إلى تراثها وحضارتها الإنسانية التي ولدت مع المدينة منذ أمد بعيد، وتكثر بها وحولها الشواهد التاريخية التي تؤكد على عراقة تراثها العربي الإسلامي الأصيل، فمن أبرز المعالم الإسلامية فيها المسجد الكبير أو ما يعرف ( بمسجد حسن بك ) الذي يقع وسط البلدة القديمة، ويتكون من طابقين ويمتاز بضخامته، ويلحق بالمسجد سبيل للماء العذب يعرف بسبيل المحمودية، أما أقدم الآثار المعمارية المسيحية في يافا فكانت كنيسة القلعة إلى الجوار من المسجد الكبير في البلدة القديمة ويوجد بجوارها دير حيث تتبع كل من الكنيسة والدير لطائفة المسيحيين الكاثوليك .

وهناك تل جريشة الواقع شمالي المدينة في منطقة تشرف على نهر الجريشة وتمتاز هذه المنطقة بموقعها الساحر، حيث تعود سكان المدينة على الاستجمام فيها وزيارتها في الأعياد والأجازات حيث تنتشر البساتين والكروم والأشجار الكبيرة، أما تل الريش فيقع شرق مدينة يافا ويبلغ ارتفاعه نحو 40 قدم، ويمتاز ببيارات البرتقال وتحيط به المباني الحديثة.

ومن أبرز معالم مدينة يافا منطقة أرض البصة، وهي أرض منخفضة في الوسط من شرق مدينة يافا، وتقع بها خزانات المياه العذبة، كما يوجد بها الملعب الرياضي الرئيسي للمدينة حيث تقام المهرجانات الرياضية فيه.

وتقع ساحة ميدان الساعة أو ما يعرف بساحة الشهداء في وسط المدينة وإلى جوارها يقع مبنى سراي الحكومة والجامع الكبير والبنوك، وتتصل هذه الساحة بالطرق الرئيسية للمدينة، وفي وسط هذه الساحة يوجد برج كبير يحمل ساعة كبيرة، وقد شهدت هذه الساحة مناسبات وطنية عديدة، وعلى ثراها سقط الكثير من الثوار شهداء وجرحى فاستحقت اسم ساحة الشهداء .

الجدير بالذكر أن المعالم والمزارات التاريخية للمدينة ارتبطت بعدد من المناسبات والأنشطة الاجتماعية التي كان يمارسها سكان مدينة يافا، حيث تعود أهل يافا على الاحتفال بعدد من الأعياد والمواسم التي جاء أغلبها في فصلي الربيع والصيف، كما كان لجمال المدينة وطبيعتها الخلابة الأثر الكبير في توجه سكانها نحو النزهات والرحلات، والتي كان أبرزها موسم النبي روبين، حيث يقع مقام النبي روبين في الطرف الجنوبي من شاطئالمدينة بجوار مجرى نهر روبين، وبهذه المناسبة يقوم العديد من السكان بأخذ احتياجاتهم اليومية والتوجه نحو الخيام المضروبة في المنطقة ويقضون فيها فترة حوالي الشهر على الكثبان الرملية الجميلة بجوار شاطئ البحر وبين الكروم والأشجار.

ويعود تاريخ هذه الاحتفالات إلى عهد السلطان الناصر / صلاح الدين الأيوبي والتي كانت تقام بهدف استعراض القوة أمام الصليبيين، واستمرت عادة الاحتفال بمولد النبي روبين إلى قبيل نكبة فلسطين حيث يخرج سكانيافا والقرى المجاورة قضاء المدينة إلى مقام النبي روبين في احتفال ضخم تصاحبه الطبول والاستعراضات، وعلى نفس الطريقة كان يقام موسم النبي يعقوب السنوي، وذلك على شاطئ منطقة العجمي بالمدينة .

ومن أبرز المزارات في يافا ما يعرف بالحمامات القديمة أو الحمام التركي والتي كانت تقع في المدخل الرئيسي للبلدة القديمة، كما تعود أهالي مدينة يافا على زيارة المقابر القديمة ومنها مقبرة العجمي القديمة المعروفة باسم الكازخانة، ومقبرة الشيخ مراد على طريق قرية سلمة، وهناك البرية القديمة والتي تقع شمال البلدة القديمة والتي تعد أقدم المدافن الموجودة بالمدينة .

وكما اشتهرت مدينة يافا بمعالمها ومزاراتها التاريخية القديمة فقد خرج منها عبر تاريخها الطويل عدد من الأعلام في كل المجالات، أثروا وتأثروا بمدينتهم وكان لهم علامات واضحة في صياغة تاريخها الحضاري والثقافي، إذ أنجبت مدينة يافا الكثير من الأدباء والعلماء والشعراء والفقهاء البلغاء، ومنهم عل سبيل الذكر لا الحصر العالم الجليل (أبو بكر الضرير) من بلدة بيت دجن اليافية المتوفى عام 324 للهجرة وقد ترك رصيداً كبيراً من المؤلفات العلمية والأدبية، والعلامة (الحسن بن علي اليازوري) المعروف بالوزير اليازوري، نسبة لبلدة يازور قضاء يافا، وقد عرفه التاريخ بالحكمة والحزم في معالجة أزمات عصره عهد الخلافة الفاطمية، فتمكن من مواجهة المجاعات وقضى على الكثير من الفتن والثورات في عهده لدرجة أن وصل نفوذه لدى الخليفة والذي أمر بإقران اسمه إلى جانب اسم الخليفة على العملة الموجودة في عهده، وكان للوزير اليازوري الفضل في تعريب بلاد المغرب الإسلامي والقضاء على حركة البربر الانفصالية أمام سلطة الخلافة الفاطمية، فقد أجرى التدابير اللازمة لنزوح قبائل بني هلال وبني سليم وغيرها من القبائل العربية نحو بلاد المغرب .

ومن أعلام مدينة يافا الشيخ / ولي الله أبو الحسن علي بن عليل المتوفى 474 هجرياً، والذي تنسب إليه قرية الحرم التي عرفت بقرية (سيدنا علي)، وكانت حياته مثاراً للبحث من قبل العلماء والمتصوفة حيث اشتهر بالتقوى والزهد والورع الشديد، وبمرور الوقت أصبح ضريحه من أهم المزارات، ومن نسبه يأتي ولي الله الشيخ/عجلين الواقع ضريحه جنوباً بمدينة غزة .

ومن أهم الأعلام في تاريخ يافا للقرن الثامن عشر والتاسع عشر الشيخ العلامة / أبو الوفا عمر بن محمد اليافي وقد ولد في مدينة يافا وأتقن حفظ وتجويد القرآن الكريم وهو دون العاشرة من عمره، ثم رحل إلى نابلس ومنها إلى مصر فتتلمذ على أيدي كبار العلماء والشيوخ في عصره، ثم ساح في بلاد الشام والحجاز وأسس الطريقة الخلوتية للتصوف الديني، وترك لنا تراثاً كبيراً من الرسائل والدواوين الشعرية، وهناك الشيخ الشريف/ حسين سليم الدجاني، المولود بمدينة يافا 1788 م وقد التحق بالأزهر الشريف لتلقي العلم وقد درس الفقه الحنفي، وتولى في يافا وظيفة الإفتاء على المذهب الحنفي وكان له إبداعاته في مجال التصوف وقد أفنى حياته في نشر العلم وكان أغلب شعره في مدح الرسول الكريم، ومن أعلام يافا أيضاً من أبناء الطائفة المسيحية في المدينة العالم فيليب بن يوسف الجلاد المولود بيافا 1857 م من عائلة يافية مرموقة، وقد عرف عنه دراسته للقانون وقد عمل موظفاً كبيراً في وزارة الحقانية (العدل) المصرية، وللرجل مؤلفات عديدة منها موسوعة من ستة أجزاء باسم قاموس الإدارة والقضاء وقد ترجم للغة الفرنسية، وكتاب التعليقات القضائية على قوانين المحاكم الأهلية.

وأيضاً هناك العالم عيسى العيسى المولود بمدينة يافا 1878 م وقد تخرج من كلية الفرير بالمدينة ومن ثم التحق بمدرسة (كفتين) الأرثوذكسية بلبنان ثم واصل تعليمه العالي في الجامعة الأمريكية ببيروت، وقد أتقن اللغات التركية والإنجليزية والفرنسية، وبعدها أنشأ جريدة فلسطين في يافا والتي كانت من أهم الصحف الساعية لكشف أبعاد المخطط الصهيوني في فلسطين ، ومن أهم المناصب السياسية التي تولاها أن عمل رئيساً للديوان الملكي للأمير/فيصل بن الحسين وقد ظل كذلك حتى دخول الاستعمار الفرنسي إلى سوريا وبعدها عاد من جديد إلى مدينة يافا ليخوض صراعاً طويلاً من أجل تحرير الكرسي الأورشليمي الكنسي الذي كان قاصراً على الرهبان اليونانيين، كما دعا إلى تحرير الطائفة العربية الأرثوذكسية، وقد واصل نضاله السياسي والديني حتى نفيه إلى بيروت التي بقي فيها حتى وفاته 1950 م .

هكذا حظيت مدينة يافا بأعلام كبار كان لهم دور بارز في تطور النهضة الثقافية للمدينة نذكر منهم (الدكتور يوسف هيكل، والأستاذ محمد أديب العامري الذي تولى أرفع المناصب في البلاط الأردني، والكاتب الشاعرمصطفى درويش الدباغ، والإعلامي الكبير إبراهيم الشنطي، والإعلامي الكبير رشاد بيبي، والكاتب القصصي محمود سيف الدين الإيراني، والشاعر محمود الأفغاني، والكاتب الشاعر معاوية الدرهلي، وأستاذ التاريخ الحديث الكاتب والمؤرخ د. هشام شرابي، وغيرهم مما لا يتسع المجال لسرد أسمائهم بينما بقيت أعمالهم باقية خالدة في تراث وتاريخ مدينة يافا .

مدينة يافا ومرحلة النضال الوطني ,,,,,,,,,,,,

تبلورت الحركة الوطنية في فلسطين بشكل عام وفي مدينة يافا بصفة خاصة حول معارضة الهجرات اليهودية إلى فلسطين، والنضال ضد سلطات الانتداب البريطاني الذي عمل على إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بعد فرض صك الانتداب عليها 1920م، وقد شهدت يافا في الفترة منذ 1917 م – 1948م كفاحاً وطنياً كبيراً أمام المخطط الصهيوني الاستعماري في فلسطين، إذ بدأت المقاومة بأسلوب مقاطعة المحتل وعدم التعاون معه، وتطور الأمر تدريجياً ليأخذ شكل المظاهرات السلمية وموجات الاحتجاج الجماهيري ثم تصاعدت المقاومة الفلسطينية مع تصاعد أساليب الاضطهاد والقمع، فتم تشكيل التنظيمات السرية التي لجأت للمقاومة المسلحة فيما بعد .

ومن مدينة يافا في الأول من أيار مايو 1921م انطلقت الثورة العربية ضد الاستعمار البريطاني الصهيوني، حيث بدأت الثورة من حي المنشية في يافا المتاخم لمدينة تل أبيب، وتركزت الثورة في الأماكن التي يتجمع فيها المهاجرين اليهود ثم امتدت لتشمل كل أحياء المدينة والقرى والبلدات التابعة لها، واستمرت الهبة الشعبية مدة أسبوعين حيث رجحت فيها كفة العرب على اليهود، إلى أن تدخلت سلطات الانتداب لقمع الثورة بكل وحشية، ومن ثم فرضت على المناطق الثائرة غرامات باهظة، وقد أسفرت هذه الأحداث عن قتل 47 يهودي وجرح 146 آخرين ، بينما استشهد من العرب 48 وجرح 73 آخرين .

وعلى الفور شكلت السلطات البريطانية لجنة تحقيق قضائية تبحث عن أسباب ثورة أهل يافا وقد أقرت أن الدافع الرئيسي وراء ثورتهم كان من أجل كثافة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفي العام 1923م عقد المؤتمر الفلسطيني السادس في مدينة يافا، والذي تبنى رفض المعاهدة البريطانية – العربية المقدمة للشريف حسين، وأكد على ضرورة إقامة حكومة فلسطينية نيابية مستقلة، وفي العام 1929م اشتعلت الثورة المسلحة في مدينة القدس وتردد صداها على الفور في مدينة يافا، خصوصاً بعد اقتحام اليهود لحي أبو كبير في المدينةوإقدامهم على قتل إمام المسجد وعائلته والتمثيل بجثثهم، وعلى الفور بدأت سلطات الانتداب في قمع الثورة بكل عنف بعد إعدام كبار الثوار مثل فؤاد حجازي، ومحمد جمجوم، وعطا الزير، وأجبرت عدد من ثوار مدينة يافاعلى الرحيل إلى مدينة الناصرة وفرضت عليهم هناك الإقامة الجبرية .

وفي أكتوبر 1933م اندلعت في يافا مظاهرات شعبية عارمة شارك فيها جموع من مختلف أنحاء فلسطين استجابة لمقررات المؤتمر العام الذي عقد في المدينة، وعليه فقد خرجت من المسجد الكبير في يافا جموع غفيرة يتقدمهم السيد موسى كاظم الحسيني رئيس اللجنة التنفيذية العربية، فتصدت لهم القوات البريطانية ليسقط من المتظاهرين 26 شهيد وأكثر من 187 جريح كان منهم السيد موسى الحسيني الذي توفي فيما بعد متأثراً بجراحه عن عمر يناهز 83 عاماً .

ومع تطور الأحداث والصدامات أعلن الشيخ عز الدين القسام الثورة المسلحة ضد اليهود في فلسطين، ومن ناحية أخرى فرض المندوب السامي البريطاني قوانين الطوارئ والأحكام العرفية في مدينتي يافا واللد، وفي 20 نيسان (أبريل) 1936م عمّ الإضراب الشامل مدينة يافا، وتبع ذلك اشتباكات مسلحة حيث أقدم الثوار على حرق الميناء لمنع سفن الهجرة اليهودية من الوصول إلى المدينة، ولضمان استمرار الثورة والتنسيق بين فصائلها اجتمع في مدينة يافا في أكتوبر 1936م ممثلي الأحزاب العربية في مقر مكتب مؤتمر الشباب الفلسطيني بالمدينة، وتم تشكيل قيادة عسكرية عليا برئاسة المجاهد الكبير عبد القادر الحسيني، وتولى المجاهد حسن سلامة قيادة منطقة يافا، اللد والرملة، وامتدت حركة الثوار حتى العام 1938م، وكان من أبرز النتائج على مدينة يافا أن قامت سلطات الانتداب البريطاني بتدمير وهدم أجزاء واسعة من البلدة القديمة، وأصبح أكثر من 6000 شخص بدون مأوى ورغم ذلك بقيت الثورة بين مد وجزر طوال فترة الحرب العالمية الثانية .

وفي 4كانون الثاني (يناير) 1948م أقدمت العصابات الصهيونية الإرهابية على تدمير ونسف سراي الحكومة وسط مدينة يافا لتبدأ بعدها العصابات الصهيونية مسلسلاً من أعمال الإرهاب والترحيل القسري لسكان مدينة يافا، خصوصاً بعد استشهاد القائد العسكري للمدينة المجاهد حسن سلامة الذي استبسل في الدفاع عنها حتى الرمق الأخير عندما تعرضت المدينة لعدوان صهيوني واسع مدعوم من القوات البريطانية .

وبعد ذلك تعرضت مدينة يافا للقصف بالمدفعية الثقيلة بمعدل 85 قذيفة في الساعة واستغل الصهاينة فرصة حالة الإرباك التي عاشتها المقاومة نتيجة استبدال القادة العرب في المدينة فكثفت الهجوم عليها إلى أن سقط حي المنشية بأيدي اليهود الذين قاموا بتدميره على الفور ولم تستطع المدينة بعد ذلك من الصمود طويلاً فدخلتها قوات الصهاينة 1948م أي عقب ولادة دولة إسرائيل التي بدأت بتنفيذ أوسع وعلى رأسهم عصابات الهاغاناة موجات الترحيل فيها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

%d مدونون معجبون بهذه: